ابن عربي

547

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

واعلم أن اللّه لم يغفر للمشركين ولا لأهل التبعات ، بل ضمن التباعات ، وجعل مغفرتهم موقوفة على رضا المظلومين ، فيصلح بينهم يوم القيامة . جاء في الخبر أن اللّه تعالى يقول يوم القيامة لأهل الحشر « يا عبادي ما كان بيني وبينكم فقد غفرته لكم فانظروا فيما بينكم فإنّه لا يجاوزني ظلم ظالم » . ويظهر في الشرك أنه فيما بينه وبينهم فلما ذا أخذ به ولم يغفره ؟ فاعلم وفقك اللّه أن الشرك باللّه باب من التباعات وظلم الغير ولهذا أخذ اللّه به ، فإن التباعات على ضروب في الدماء والأموال والأعراض ، والشرك من باب تباعات الأعراض ، وهو من باب الفرية ، وأن يقال في الشيء ما ليس فيه ، وهو البهتان . وليس الشرك من الأمور التي بين اللّه وبين العبد . وهو من أكبر الكبائر . فإذا كان يوم القيامة وحشر الناس في صعيد واحد وضج المظلومون عند معاينة ما لا طاقة لهم بحمله من الأهوال ؛ ضجت الأصناف الذين اتخذوا آلهة من دون اللّه من حجر وشجر وحيوان وإنسان وكوكب وروحاني وقالوا : يا ربنا خذ لنا حقنا ممن افترى علينا ، ونسب إلينا ما ليس فينا وقال : إنا آلهة فعبدونا ، ونحن لا نضر ولا ننفع ، وليس لنا من الأمر شيء ، فخذ لنا حقنا . وهنا يقع تفصيل ، فأمّا كل من عبد من دون اللّه من حجر وشجر وإنسان مشرك أشرك نفسه مع اللّه وحيوان وروحاني مشرك أيضا ، فإنهم يدخلون مع الذين عبدوهم في نار جهنم ليكون أنكى لهم إذا عاينوهم ؛ ومن كان ارتضى منهم ما ينسب إليه كفرعون وغيره ، فهو مشارك لهم في عذابهم . ومثل الأحجار والأشجار ، فلم تدخل للعذاب ، ولكن دخلت لنكايتهم أن تكون معهم آلهتهم كما قال اللّه تعالى « إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ » . ويقول المشركون هناك « لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ » . وقال تعالى « وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » * وهم المشركون ، وهم الأصنام المعبودون من دون اللّه ، ونفى الأصناف الذين سبقت لهم الحسنى وكانوا عن النار مبعدين ، وهم الذين اتخذوا مثلة على صورتهم عبدوها كالصليب للنصارى والصور التي يصورونها للمشركين التي صنعوها على صورة هذا المعصوم السعيد كائنا من كان ؛ فتلك الأمثال تدخل معهم النار ، وهذا ينكيهم جدا . ووجه آخر من نكاية اللّه لهم : إن لأهل الجنة اطلاعا على أهل النار يعاين هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء ، فيزيد نعيم هؤلاء ويزيد عذاب هؤلاء ؛ يقول اللّه تعالى « فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ » « وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ